فصل: تفسير الآيات (1- 5):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من مجازات القرآن في السورة الكريمة:

قال ابن المثنى:
سورة لقمان:
بسْم اللَّه الرَّحْمن الرَّحيم.
{الم تلْكَ آياتُ الْكتاب} (1- 2) ساكن لأنه جرى مجرى فواتح سائر السور اللواتى مجازهن مجاز حروف التهجّى ومجاز موضعه في المعنى كمجاز ابتداء فواتح سائر السور. ومجاز {تلْكَ آياتُ الْكتاب} أي هذه الآيات من القرآن.
{وَأَلْقى في الْأَرْض رَواسيَ} (10) مجازه: وجعل فيها رواسى أي جبالا قد رست أي ثبتت.
{أَنْ تَميدَ بكُمْ} (10) أي أن تحرّك بكم يمينا وشمالا.
{وَبَثَّ فيها منْ كُلّ دابَّةٍ} (10) أي فرّق في الأرض من الدواب وكل ما أكل وشرب فهو دابة.
{ما ذا خَلَقَ الَّذينَ منْ دُونه} (11) أي الذين جعلتم معه تبارك وتعالى عن ذلك.
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ} (14) مجازه: ضعفا إلى ضعفها وفى آية أخرى {وَهَنَ الْعَظْمُ منّي} (19: 4).
وقال زهير:
فلن يقولوا بحبل واهن خلق لو ** كان قومك في أمثاله هلكوا

{وَفصالُهُ} (14) أي فطامه.
{وَاتَّبعْ سَبيلَ مَنْ أَنابَ إلَيَّ} (15) أي طريق من رجع وتاب إلى اللّه وهذا مما وصّى اللّه به ثم رجع الخبر إلى لقمان فقال.
{يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مثْقالَ حَبَّةٍ منْ خَرْدَلٍ} (16) أي زنة حبة.
{وَلا تُصَعّرْ خَدَّكَ للنَّاس (18)} مجازه: ولا تقلب وجهك ولا تعرض بوجهك في ناحية من الكبر ومنه الصعر الذي يأخذ الإبل في رءوسها حتى يلفت أعناقها عن رءوسها قال عمرو بن حنىّ التّغلبىّ:
وكنا إذا الجبار صعّر خدّه ** أقمنا له من ميله فتقوّما

والصّعر داء يأخذ البعير في عنقه أو رأسه فيشبّه به الرجل الذي يتكبر على الناس.
{وَلا تَمْش في الْأَرْض مَرَحًا} (18) أي لا تمرح في مشيك من الكبر.
{إنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوات} (19) أي أشدّ الأصوات.
{وَلَوْ أَنَّما في الْأَرْض منْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ منْ بَعْده سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفدَتْ كَلماتُ اللَّه} (27) مجاز البحر هاهنا الماء العذب يقال:
ركبنا هذا البحر وكنا في ناحية هذا البحر أي في الريف لأن الملح في البحر لا ينبت الأقلام يمده من بعده أي من خلفه أي يسيل فيه سبعة أبحر، ومجازه مجاز المختصر الذي فيه ضمير، سبيله: فكتب كتاب اللّه بهذه الأقلام وبهذه البحور مانفد كتاب اللّه.
{ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ واحدَةٍ} (28) مجازه مجاز قولك إلّا كخلق نفس واحدة وإلّا كبعث نفس واحدة أي كإحياء نفس لأنه إذا قدر على ذلك من بعض يقدر على بعث أكثر من ذلك إنما يقول لها: كونى فتكون وإذا قدر على أن يخلق نفسا يقدر على خلق أكثر من ذلك.
{وأن ما تدعون من دونه الباطل} (30) أي تجعلون معه قال:
ألا ربّ من تدعو صديقا وغيبه لك ** الدهر قد ما غير منشرح الصدر

{وَإذا غَشيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَل} (32) واحدتها ظلّة ومجازه: من شدة سواد كثرة الماء ومعظمه.
قال النّابغة الجعدىّ وهو يصف البحر:
يماشيهنّ أخضر ذو ظلال ** على حافاته فلق الدّنان

ويروى يعارضهن.
{كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} (32) الختر أقبح الغدر قال الأعشى:
بالأبلق الفرد من تيماء منزله ** حصن حصين وجار غير ختّار

وقال عمرو بن معديكرب:
وإنك لو رأيت أبا عمير ** ملأت يديك من غدر وختر

{لا يَجْزي والدٌ عَنْ وَلَده} (33) قوم يقولون: جزيت عنك كأنه من الجزاء وهو من أغنيت وقوم يقولون لا يجزئ عنك، يجعلونه من أجزأت عنك يهمزونه ويدخلون في أوله ألفا.
{وَلا يَغُرَّنَّكُمْ باللَّه الْغَرُورُ} (33) مجازه أن كل من غرّك من أمر اللّه أو من غير ذلك فهو غرور شيطانا كان أو غيره، تقديره فعول من غررت تغرّ.
{بأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ} (34) يقال: بأى أرض كنت وبأيت أرض كنت لغتان. اهـ.

.فصل في التفسير الموضوعي للسورة كاملة:

قال محمد الغزالي:
سورة لقمان:
بدأت سورة لقمان بذكر المحسنين والأجزية المعدة لهم، ثم ذكرت المجرمين وما يشغبون به على الإسلام {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين}. والتحقيق أن المقصود به النضر بن الحارث، وكان يشترى كتبا فيها أخبار ملوك الفرس ويقض منها على قريش في أسمارها ومجالسها، ويقول: هذا خير مما يتلوه عليكم محمد! ولو قص الرجل فصول ألف ليلة كلها ما فعل شيئا غير اللغو واللهو! ويرى بعض المفسرين أن الآية نازلة في الغناء وما كان قبيحا من الغناء فهو مذموم، وكل حديث يصرف عن الحق ويشغل عن مطالبه فهو باطل. وقد أكدت الآيات جزاء المحسنين مرة أخرى {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم} وذكرت الخالق الكبير بما هو أهل له من مجد وثناء، وتساءلت عن الشركاء المزعومين: من هم؟ وأين ما خلقوا؟ إن هذيان المشركين يشبه لغط المحموم لا وزن له ولا رأى فيه! وقد ساقت السورة هذه المعاني كلها بأسلوب آخر في وسطها بدءا من قوله تعالى: {ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور} وكما وعدت المحسنين بالخير توعدت المجرمين بالشر: {ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا} ثم أطالت الحديث بعد ذلك عن عظمة الله الذي أخلص المحسنون له فبينت أن كلماته في تصريف شئون العباد لا تنتهي. إنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض خلقا ورزقا وإحياء وإماتة ورفعا وخفضا. والأمر يتصل بخمسة مليارات من الخلق وآلاف لأضعاف من الحيوان والنبات وآلاف الأضعاف من الملائكة. وهذه الألوف المؤلفة من الكواكب السابحة في الفضاء ما أحسبها كالبيوت الخالية في أرضنا. إننا لا ندري ما فيها ومن فيها {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم}. هل هذا الكم الهائل يعجزه أو يعييه؟ كلا {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير}. إن الذين يعبدون الله كأنهم يرونه إذ يرون آثاره جديرون بالثناء لأنهم شاموا أنوار الحقيقة وعرفوا عظمة الخالق من عظمة الخلق. وسورة لقمان نسبت إلى الحكيم الذي ذكرت قصته فيها. وقد ورد أن قريشا سألت عنه النبى تريد أن تعرف خبره فقص عليها وصيته وهى وصية حافلة بالخير. ولقمان الحكيم أبصر بالحقيقة من حكماء اليونان الذين اشتهرت أسماؤهم ففلسفتهم فكر غامض ونظرات خيالية. أما لقمان فقد لخص الحق الخالد في منهج وجيز وأخذ به ابنه وتركه تراثا نبيلا. يبدو أن الإنسان يستثقل شكر الجميل الذي يسدى إليه ويريد أن تخدمه عناصر الكون وهو بارد المشاعر قليل الاكتراث!! كثير من الناس تصنع لهم الخير فيأخذونه متلهفين ثم يولون الأدبار دون كلمة شكر.!! وهم يعاملون ربهم بهذا الكنود وتصطبغ حياتهم بهذه البلادة التي قد تأباها بعض الحيوانات. {إن الإنسان لربه لكنود}. وأساس العلاقة بالله شكره على نعمتي الإيجاد والإمداد. ولذلك جاء في أول الوصية للقمان {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد}. إن الله مستغن عن العباد فإذا شكر عبد جداه فقد دل على وعى نبيل وفتح باب الزيادة وإلا فما ضر إلا نفسه! وقد بدأت وصية لقمان لابنه بمعرفة الله الواحد {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}. وأعقبت الوصاة للوالدين عقيدة التوحيد لأنهما بعد الله سر وجوده. والغريب أن الحضارة العالمية المعاصرة لا تكترث للأبوين وتودعهما في شيخوختهما بعض الملاجئ حتى يقضيا مستوحشين. وليس ذلك بكثير على حضارة تكره ذكر الله وتضيق بحقوقه! ومن نصائح لقمان لابنه {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}. إلى أن يقول له {واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير}. والوصية كلها باقة من العقائد الجليلة والأخلاق الكريمة وقد ذكرها القرآن الكريم لننتفع بما فيها من حكمة إذ الحكمة ضالة المؤمن. وقد أعقبها بما يؤكد عاطفة الشكر فقال: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير}. وبعد أن شرح حق الله في تجويد العبادة قال: {ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}. وختمت سورة لقمان بتقرير المسئولية البشرية المستقلة. {لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا}. والواقع أن الإنسان صانع مستقبله إن نجا فبحسناته وإن هلك فبسيئاته {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} ثم نفت السورة أن يكون للكهنة والراجمين بالغيب أي علم بالغيوب {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت} والتنبؤات الجوية ليست علما بالغيب بل هي استنتاجات مظنونة من بعض المظاهر الكونية القريبة والبعيدة. وكذلك الكشف بالأشعة على ما في البطن لمعرفة نوع الجنين. إن ذلك شيء غير الإحاطة التامة بمعرفة ما تحمل كل أنثى من البشر والدواب والطيور على امتداد الزمان والمكان. اهـ.

.في رياض آيات السورة الكريمة:

.فصل في أسرار ترتيب السورة:

قال السيوطي:
سورة لقمان:
أقول: ظهر لي في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح ب {الم} أن قوله تعالى هنا: {هُدى ورحمة للمُحسنين الذين يقيمونَ الصلاة ويؤتون الزكاةَ وهُم بالآخرة هُم يوقنون} متعلق بقوله في آخر سورة الروم: {وقالَ الذينَ أُوتوا العلمَ والإيمان لقد لبثتُم في كتاب اللَه إلى يوم البعث} فهذا عين إيقانهم بالآخرة، وهم المحسنون الموقنون بما ذكر وأيضًا ففي كلتا السورتين جملة من الأديان وبدء الخلق وذكر في الروم: {في روضة يحبرون} وقد فسر بالسماع وفي لقمان: {ومنَ الناس مَن يَشتري لهوَ الحديث} وقد فسر بالغناء، وآلات الملاهي. اهـ.

.تفسير الآيات (1- 5):

قوله تعالى: {الم (1) تلْكَ آيَاتُ الْكتَاب الْحَكيم (2) هُدًى وَرَحْمَةً للْمُحْسنينَ (3) الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بالْآخرَة هُمْ يُوقنُونَ (4) أُولَئكَ عَلَى هُدًى منْ رَبّهمْ وَأُولَئكَ هُمُ الْمُفْلحُونَ (5)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما أثبت في آل عمران أنه أنزل بالحق، أثبتت في السجدة تنزيله ونفي الريب عن أنه من عنده، وأثبت أنه الحق، واستمر فيما بعد هذا من السور مناظرًا في الأغلب لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل والتدبر: {بسم الله} الذي وسع رحمة وعلمًا {الرحمن} الذي بث بعموم حكمته شامل نعمته في سائر بريته {الرحيم} الذي أنار لخاصته طريق جنته، فداموا وهاموا في محبته.
لما ختمت الروم بالحث على العلم، وهو ما تضمنه هذا الكتاب العظيم، والأمر بالصبر والتمسك بما فيه من وعد، والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف في المقاربة لهم في شيء من الأوصاف، وكان ذلك هو الحكمة، قال أول هذه: {آلم} مشيرًا بها إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل- لأنه ظاهر مع أن الباطن- جبرائيل عليه السلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام، ولا يلحقه في ذلك شيء مدى الأيام، فهو المبدأ وهو الختام، وإلى ذلك أو ما تعبيره بإداة البعد في قوله: {تلك} أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا يناله إلا من جاهد نفسه حتى هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل، والتحلي بسائر الفضائل {آيات الكتاب} الجامع لجميع أنواع الخير {الحكيم} بوضع الأشياء في حواق مراتبها فلا يستطاع نقض شيء من إبرامه، ولا معارضة شيء ومن كلامه، الدال ذلك على تمام علم منزله وخبرته، وشمول عظمته وقدرته، ودقيق صنائعه في بديع حكمته، فلابد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب له أصل من عند الله.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير: لما تكرر الأمر بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله سبحانه: {أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [الروم: 8] وقوله: {أو لم يسيروا في الأرض} [الروم: 9] وقوله: {الله يبدؤا الخلق ثم يعيده} [الروم: 11] وقوله: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} [الروم: 19] إلى قوله: {كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون} [الروم: 28] وهي عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا يبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط الدلائل وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل معانيها وتدبر حكمها إلى قوله: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل} [الروم: 58] وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف الأمثال وشتى العظات وما تحملت هذه السورة من ذلك، أتبع سبحانه ذلك بقوله الحق: {الم تلك آيات الكتاب الحكيم} أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت له الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد، ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما مهدناه، ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به، واستبدل الضلالة بالهدى، وتنكب عن سنن فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث}- الآيات، ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند، ويقطع بكل جاحد، فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها امتراء، ثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها، ثم قال سبحانه: {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} ثم اتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال: {ولقد آتينا لقمان الحكمة}- الآية، لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ذكرها في سورة الروم، ثم تناسق الكلام وتناسج- انتهى.
ولما كان الإحسان ما دعت إليه سورة الروم من الإيمان بلقاء الله، منزهًا عن شوائب النقص، موصوفًا بأوصاف الكمال، معبودًا بما شرعه على وجه الإخلاص، والانقياد مع الدليل كيفما توجه، والدوران معه كيفما دار، وكان ذلك هو عين الحكمة، قال تعالى: {هدى} أي حال كونها أو كونه بيانًا متقنًا {ورحمة} أي حاملًا على القيام بكل ما دعا إليه، والتقدير على قراءة حمزة بالرفع: هي أو هو، وقال: {للمحسنين} إشارة إلى أن من حكمته أنه خاص في هذا الكمال وضعًا للشيء في محله بهذا الصنف، وهم الذين لزموا التقوى فأدتهم إلى الإحسان، وهو عبادته تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي له أو هو لها آخر، ثم وصفهم في سياق الرحمة والحكمة والبيان بالعدل بيانًا لهم بما دعت إليه سورة الروم من كمال الإحسان في معاملة الحق والخلق اعتقادًا وعملًا فقال: {الذين يقيمون الصلاة} أي يجعلونها كأنها قائمة بفعلها بسبب إتقان جميع ما آمر بعد فيها وندب إليه، وتوقفت بوجه عليه، على سبيل التجديد في الأوقات المناسبة لها والاستمرار، ولم يدع إلى التعبير بالوصف كالمقيمين داع ليدل على الرسوخ لأن المحسن هو الراسخ في الدين رسوخًا جعله كأنه يرى المعبود ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس رات إلا معظم له بالحج فعلًا او قوة {ويؤتون الزكاة} أي كلها فدخل فيها الصوم لأنه لا يؤدي زكاة الفطر إلا من صامه قوة أو فعلًا.
ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان، وكان الإيمان بالبعث جامعًا لجميع أنواعه، وحاملًا على سائر وجوه الإحسان، وكان قد ختم الروم بالإعراض أصلًا عمن ليس فيه أهلية الإيقان، قال: {وهم} أي خاصة لكمالهم فيما دخلوا فيه من هذه المعاني {بالآخرة} التي تقدم أن المجرمين عنها غافلون {هم يوقنون} أي مؤمنون بها إيمان موقن فهم لا يفعل شيئًا الإيمان بها، ولا يغفل عنها طرفة عين، فهو في الذروة العليا من ذلك، فهو يعبد الله كأنه يراه، فآية البقرة بداية.
وهذه نهاية.
ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال، الموجبة للكمال، وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها، بعد أن زمها بزمامها، فقال: {أولئك} أي العالوا الرتبة الحائزون منازل القربة أعظم رتبة {على هدى} أي عظيم هم متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال: {من ربهم} تذكيرا لهم بأنه لولا إحسانه ما وصلوا إلى شيء.
ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب، خوفًا من الإعجاب {وأولئك هم} أي خاصة {المفلحون} أي الظافرون بكل مراد. اهـ.

.القراءات والوقوف:

قال النيسابوري:

.القراءات:

{ورحمة} بالرفع. حمزة وأبو عون عن قنبل {ليضل} بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب و{يتخذها} بالنصب: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد {يا بني لا تشرك} بسكون الياء: البزي والقواس. وقرأ حفص والمفضل بفتح الياء وكذا في قوله: {يا بني أقم} الباقون: بكسر الياء. {مثقال} بالرفع: ابو جعفر ونافع {نصاعر} بالألف: أبو عمرو ونافع وحمزة وعلي وخلف. الآخرون. بالتشديد.

.الوقوف:

{الم} o كوفي {الحكيم} o وقف لمن قرأ: {ورحمة} بالرفع على تقدير هو هدى. ومن قرأ بالنصب على الحال والعامل معنى الإشارة في {تلك} فلا وقف {للمحسنين} o لا {يوقنون} o ط {المفلحون} o {بغير علم} ط قد يوقف لمن قرأ: {ويتخذها} بالرفع والوصل أحسن لأنه وإن لم يكن معطوفًا على {ليضل} فهو معطوف على {يشتري} {هزوًا} ط {مهين} o {وقرأ} ط لانقطاع النظم مع اتصال الفاء {أليم} o {النعيم} o لا للحال والعامل معنى الفعل في لهم {فيها} ط لأن التقدير وعد الله وعدًا {حقًا} ط {الحكيم} o {دابة} o للعدول {كريم} o {دونه} ط {مبين} o {لله} ط {لنفسه} ج {حميد} o {بالله} ط وقد يوقف على {لا تشرك} على جعل الباء للقسم وهو تكلف {عظيم} o {بوالديه} ج لانقطاع النظم مع تعلق {أن اشكر} ب {وصينا} {ولوالديك} ط {المصير} o {معروفا} ز للعدول عن بعض المأمور إلى الكل مع اتفاق الجملتين {إلي} ج لأن ثم لترتيب الأخبار {تعملون} o {الله} ط {خبير} o {أصابك} ط {الأمور} o ج للآية ووقوع العارض مع عطف المتفقتين {مرحًا} ط {فخور} ج لما ذكر {من صوتك} o ط {الحمير} o. اهـ.